عبد الملك الجويني
64
الشامل في أصول الدين
في إثبات الأعراض ، إذ لا يخالف الشيء نفسه ، وإنما يخالف غيره . وإن فرضنا الكلام في جوهرين : متحرك وساكن ، وقدرنا بينهما اختلافا ، استحال رجوع الخلاف إلى ذاتيهما ، إذ ( معنى هذا إذا قلنا : هذا الجوهر متحرك وليس بساكن ، فقولنا متحرك ، إذا رددناه إلى ذاته ثم قلنا : وليس بساكن هو في اللفظ مخالف لقولنا : ليس بمتحرك . فساكن خلاف متحرك . فلو رجعا جميعا إلى الذات لخالفت الذات نفسها ، لأنها هي التي قلنا فيها ليست بساكنة ، وهي التي قلنا فيها هي المتحركة ، وهذا خلاف هذا ، ويرجعان جميعا إلى الذات وتخالف الذات نفسها من حيث يخالف لفظ متحرك للفظ ساكن ، وهذا باطل . فرجع الأمر إلى إثبات حركة ونفي سكون ) ، قد يسكنان ، وقد يتحركان ، فيستبين من ذلك أن الاختلاف يرجع إلى الحركة والسكون . فهذه لمع يقع بها الاستقلال في إثبات الأعراض . فإن قال قائل : بما تنكرون على من يوافقكم في إثبات ما ذكرتموه ، ولكن يزعم أن الذي قدرتموه أعراضا أجسام ؟ فالجواب في ذلك أن نقول : إذا ثبت أن المتحرك متحرك بحركة ، فمن قدر الحركة جسما أو جوهرا زائدا على ذات المتحرك يقال له : أتقدر الجوهر الذي هو حركة على زعمك مختصا بحيز غير حيز المتحرك ، أم تقدره في حيز المتحرك ؟ فإن قدره منفردا بحيزه ، فيستحيل أن يوجب حكما لجوهر آخر . وقد أشبعنا القول في هذا القسم في صدر المسألة . وإن زعم أن الجوهر هو حركة يوجد في حيز المتحرك فيقال : فهل الحركة متحيزة ؟ فإن نفى تحيزها فقد صرح بإثبات الأعراض من حيث المعنى ، وخالف في الاسم ، إذ العرض عندنا هو الحادث الذي لا حيز له ، ويوجد بحسب ذات متحيزة . وإن زعم أن الحركة متحيزة ، وتوجد مع ذلك بحيث حيز المتحرك ، فهو قول بتداخل الجواهر ، وقد سبق ردنا على القائل به . على أنا نزيد هاهنا وجهين : أحدهما : أن الحركة إذا كانت جوهرا ، وجب أن يكون اندخال جوهر في جوهر جوهرا . ثم ذلك الجوهر إذا قدرته مندخلا في حيز المتحرك والحركة ، افتقر إلى جوهر آخر ، ثم يتسلسل القول . والوجه الآخر أن الحركة لو كانت متحيزة لم تخل عن حركة أو سكون ، وكذلك القول في حركة الحركة ، وكل ذلك خروج عن المعقول ، وكنا على أن نذكر جملا من أحكام الأعراض بعد الفراغ من إثباتها ، ثم رأينا أن ننهي دلالة بحدث العالم ، ثم ننعطف على جمل من أحكام الأكوان وخصائص الأعراض بعد ذلك .